محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

139

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قال ابن عبّاس « 1 » : إقامة الصلاة إتمامها بالركوع والسجود والخشوع وما يجب فيها من المواقيت ؛ وقال قتادة : يديمونها ويحافظون عليها وعلى مواقيتها وأركانها ؛ وقال الحسن : المراد بالصلاة الصلوات الخمس ؛ فذكرها بلفظ الواحد كقوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يعني الكتب ؛ وقال : يقيمونها بوضوئها وأركانها وخشوعها ومواقيتها ؛ وقيل : أراد بها الفرائض والنوافل ؛ والصلاة في اللغة الدعاء قال - صلّى اللّه عليه وآله - : « إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ؛ فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما ( 56 آ ) فليصل » 434 يعني فليدع له بالبركة والخير . هذا مذهب الأكثر من أهل اللغة ؛ وقال أبو إسحاق : الأصل في الصلاة اللزوم . يقال : صلى بالنار واصطلى إذا لزم . قال : والصلاة من أعظم الفرائض التي أمر بلزومها . ثمّ هذه الأفعال المخصوصة سمّيت صلاة لما بيّنا من وجوب ملازمتها أو لما فيها من الدعاء ؛ وتلك الأفعال لا تخرجها عن حقيقتها وأصلها ؛ لأنّ الغالب عليها الدعاء والثناء . الأسرار وهاهنا سرّ آخر وهو أنّه لو قال : « يصلّون » مطلقا كان لا يفهم منه التكرار في كلّ يوم على مواقيتها ، فلمّا قال : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وإقامة الشيء إدامته ، فهم منه أنّها ليست من التكاليف التي يكتفى فيها بمرّة واحدة ، بل هي من التكاليف التي يتكرّر على العبد القيام بها والمداومة عليها . وسرّ آخر : أنّ الألفاظ قد ترد في القرآن مجملة ، وإنّما تفصيل القول فيها إلى المبيّن المفصّل ، وهو النبيّ - صلّى اللّه عليه - فإنّا لا نعرف من اللفظ المطلق المجمل إلّا ما دلّ عليه من جهة اللغة والوضع ؛ والبيان بعد ذلك إلى المبيّن ، والمبيّن مخصوص بالذكر . قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ وما قال : ليتبيّن للناس ، حتّى لا يتّسع لكلّ عربي يعرف اللغة [ أن يقول : ] حسبنا كتاب اللّه ؛ فلا يحتاج في زمانه إلى بيانه ولا بعد زمانه إلى نائب ينوب عنه في تنزيله وتأويله ؛ والنائب عنه هو الوارث عنه ، والعلماء ورثة الأنبياء ، والوارث من يثبت الحقّ أوّلا لمورّثه ثمّ يرث عنه ؛ فأمّا من أبطل حقّ مورّثه لم يكن وارثا عنه .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .